ابن عربي
290
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
غيّبته عن أعين الناس ، والرئيس لا يتكلم مخافة أن يشوّش على الناس ، ولا ينفعه ذلك ، فلم ينشب أن رأى طائرا قد قبض عليه ، فأخرجه من الماء ، وطار به حتى ألقاه في المركب ، وقعد الطائر على جامور الصاري ساعة ، ثم إن الطائر مدّ منقاره من موضعه حتى ألصقه بأذن الرجل ثم قبضه وطار . فلما كان من الغد حسن الرئيس ظنه بذلك الرجل ، وبادر إلى إكرامه ، ففطن له الرجل فقال له : يا أخي ، لست واللّه ممن تظن ، وإنما كان مما رأيت من أمر اللّه علمي وعلمك فيه سواء ، ما شعرت بنفسي إلا وقد أخذتني الأمواج ، وأيقنت بالتلف ، فسلّمت الأمر للّه ، وقلت : ذلك تقدير العزيز العليم . فإذا بذلك الطائر قد فعل ما رأيت . فقال له الرئيس : فرأيته مدّ منقاره إليك ، فهل كلّمك ؟ قال الرجل : نعم ، وذلك أني فكرت في نفسي ما هو هذا الطائر ؟ فألصق منقاره بأذني وقال لي : يا هذا ، أنا تقدير العزيز العليم . حكمة روينا من حديث ابن إسماعيل ، عن أبي حذيفة ، عن الثوري ، قال : بلغني عن ابن مسعود أنه قال : الدنيا كلها غموم ، فما كان فيها من سرور فهو ريح . ومن حديث إسماعيل أيضا ، عن نعيم ، عن ابن المبارك ، عن وهب ، قال : من أراد الدنيا فليتهيأ للذلّ . موعظة بهلول المجنون حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبد الرحمن الدّعليّ بن علي بن محمد ، حدثنا محمد بن أبي منصور ، ثنا أبو الغنائم القرشي ، انا محمد بن علي بن عبد الرحمن ، ثنا زيد بن حاجب ، أخبرنا محمد بن هارون ، ثنا علي بن الحسين بن أحمد ، حدثنا علي بن إبراهيم الكرخي الحافظ ، ثنا محمد بن الحسن الحلواني ، ثنا أحمد بن عبد اللّه القزويني ، عن الفضل بن الربيع قال : حججت مع هارون الرشيد ، فمررنا بالكوفة ، فإذا بهلول المجنون يهذي ، فقلت له : اسكت فقد أقبل أمير المؤمنين ، فسكت حتى حاذاه الهودج ، فقال : يا أمير المؤمنين ، حدثني أيمن بن بابل ، حدثنا قدامة بن عبد اللّه العامريّ ، قال : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم بمنى على جمل ، وتحته رحل رثّ ، فلم يكن بمطرد ، ولا ضرب ، ولا إليك . قلت : يا أمير المؤمنين ، إنه بهلول المجنون . قال : قد عرفته . قال البهلول : يا أمير المؤمنين أسمعك شعرا ؟ قال : قل :